صناعة النفس




صناعة النفس​



domain-08b7cbbec7.jpg


صناعة النفس



للإنسان قُدْرَةٌ في إظهار نفسه و تكوينها ، و هو في ذلك غنيٌّ عن إظهار غيره له .​

و هذه حال كثيرين يعتمدون على غيرهم ، و يرتقون على أكتاف كبرائهم لإظهار أنفسهم .​

و هذا فيه ما فيه من هضم النفس ، و هَدْرٍ لما وهبها الله من آليَّات النهوض بها ، و الرقي بها في سماء العلو .​

و لذا كانت وظيفة صناعة النفس سائدة لدى فئة من الناس لا يُزَاحَمُوْنَ في وظيفتهم ؛ و هذا إنما هو : لقلَّتِهم ، و لعلو همتهم ، و لقوة عزيمتهم .​

فَمِنْ شابههم سلك دروبهم . و مَنْ لا فلا .​

و هذه أسطرٌ كاشف فيها معاني صناعة النفس من خلال مباني الأحرف .​

و مؤصِّلاً وظيفة صناعة النفس موافِقَاً أصول الشريعة ، مراعياً أُسُسَ التربية .​


معنى صناعة النفس قـد يتبادر إلى الذهن معنى لـ صناعة النفس غيرُ مُرادٍ لي ؛ و دفعـاً لتلك المبادرة أُبيِّنُ المعنى من صناعة النفس و هو :​

سعيُ الإنسان _ الجادّ _ نحو إظهار نفسه ، و الكشف عن مكنوناتها و مهاراتها التي تؤدي بها نحو عالم الإبداع . مع اعتماده على ذاته وما كان خافياً فيها من قُدَرٍ .​

و هذا المعنى هو من بنيَّات الفكر ، و بَوْحِ الخاطر .​


قواعدُ صناعة النفس​

لـ صناعة النفس قواعدُ و أصولُ بها تُتْقَنُ و تُحْكَمُ، و بدونها ، و حال تخلُّفِها يكون الخلل ، و يُخَيِّمُ الفشل .​

و ههنا أمورٌ أربعة هنَّ أصولٌ لـ صناعة النفس​

الأول : معرفة قُدُرَاتُ النفس​

إن الله _ تعالى _ متَّعَ الخلق بقُدَرٍ و مواهبَ ؛ و هذه المواهب و القُدَرُ متفاوتةٌ بين الناس ، و هم فيها متباينون .​

فإذا عرف الإنسان قُدُرَاتُ نفسِه أحسن استعمالها ، و انشغل بها عن غيرها .​

و معرفة قُدَرُ النفس مُرْتَكِزَةٌ على رَكِزَتَيْن :​

الأولى : عدم رَفْعِ النفس فوق قدْرِها​

حيث ترى _ و هو كثير _ مَنْ يُخادع نفسه و يُلْبِسُها لباس الزور فيُنزلها منازل كبيرةً عليها ، ليست هي من أهلها و لا قَرُبَتْ من أحوالهم .​

الثانية : عدم إهانتها و إنزالها عن قدرها​

و هذه كسابقتها في الكثرة و الانتشار .​

و أعني بقُدَرِ النفس : ما تعرف النفس أنها ميَّالَةٌ إليه ، و تتيقَّنُ أنها تُنْتِجُ فيه أكثر .​


الثاني : حُسْنُ إدارة النفس​

إدارة النفس تعني : قُدْرَةُ الفرد على توجيه مشاعره و أفكاره و إمكانياته نحو ما يريد تحقيقه ، و ما يصبو إلى تحصيله​

فَحِيْن يستطيع الإنسان أن يوجِّهَ خواطره و مشاعره نحو ما يسعى إليه في حياته يكون بدءُ صناعة النفس​

و إدارة النفس فنُّ له أصوله و قواعده و مهاراته ، فليس هو أمرٌ بالهيِّن و لا بالشأن السَّهل .​

الثالث : تزكيةُ النفس​

تزكية النفس هي : تنميتها ، و تطهيرها .​

فتنميتها تكون بـ : الطاعات ، و الفضائل .​

و تطهيرها يكون بـ : التخلِّي من الآفات ؛ المعاصي ، سفائل الأخلاق .​

هذان أُسَّان في تربية النفس و تطهيرها .​


الرابع : التدرُّج​

النفس توَّاقةٌ نحو الدَّعَةِ ، و ساعيةٌ إلى الخمول و السُّكون ، فإذا أراد صاحبها أن يُبْدِعَ في صناعة النفس فلا بدَّ له من نقلها من مواطن الركود و الدعة إلى مشارف العلو و الرفعة .​

و هذا يحتاج إلى أن يتدرَّج بها صاحبها من الدُّوْنِ إلى العلو ؛ شيئاً فشيئاً قليلاً قليلاً .​

و سرُّ ذلك : أن في التدرُّج تنقُّلٌ مُمَهَّدٌ يستدعي تقبُّلَ النفس لتلك الصناعة .​

و العكس ذو آفة يعرفها من أدرك حقيقة ذاك السر .​


الخامس : الحكمة​

إن صناعة النفس تقتضي التعامل بالحكمة مع النفس ؛ فلا تُجْهَد ، و لا تُطْلَق لها الأزِمَّة .​

فيراعيها في موطنين :​

الأول : موطن الإقبال نحو المعالي ؛ فيغتنم تلك الفرصة لتربيتها ، و تنميتها .​

الثاني : موطن الإحجام عن الفضائل فيستعمل معها سياسة القيادة من جهتين​

الأولى : الترغيب ؛ فيرغب نفسه بفضائل الأفعال ، و مقامات الكمال .​

الثانية : الترهيب ؛ فيرهب نفسه بعواقب الدُّنُوِّ ، و يُبَيِّنُ لها مساويء الأعقاب .​

طرقُ صناعة النفس​

لـ صناعة النفس طريقان مهمان :​

الأول : طريق الذات الاول.. أن يكون الإنسان هو الصانع لنفسه ؛ و ذلك من خلال القواعد الخمس السابقة .​

الثاني طريق الغير​

و أعني به : أن تكون صناعة النفس للإنسان من خلال من هو خارج عنه أي : عن نفسه من : صاحب ، أو عالم ، أو أبٍ ،​


مجالات صناعة النفس​

المجالات كثيرة و متعدِّدَةٌ ، و لكن ما يهمُ هنا هو ما يتعلَّق بالأمور المتعلِّقة بالإسلام ؛ و هما مجالان :​

الأول : مجال العلم​

فإن أغلب الناس الصَّالحين ممن أعملَ نفسَه في العلم : طلباً ، و تعليماً ، و تأليفاً​

و هذه مَحْمَدَةٌ و مَنْقَبَةٌ يُفرَح بها .​

لكن الأمر المُؤْسِف أن يكون من يشتغل بالعلم دائمَ الصعود و الظهور على أكتاف أشياخه ، ملازماً لتقليدهم ، حَذِرَاً من إبداء أي رأي له خَشْيَةَ عدم المُوَافَقَة .​

و هذه سلبية لا إيجابية .​

إذ الواجب على الإنسان أن يكون مُسْتَقِلاًّ بنفسه ، مُعْتَمِدَاً عليها .​

و هذا هو شأن كثير من العلماء ما أظهرهم إلا هم ، سعوا جادِّيْن نحو صناعة النفس فأبدعوا و أنتجوا ، في حين أن غيرهم ممن سيطر عليه الخوف ما بَرِحَ مكانه .​

و لا أعني بكلامي هذا إسقاط ما للعلماء من مكانة و تأثير في نفس الإنسان ، و إنما أُريدُ أن يكون الإنسان ذا رأي مُعْتَبِرَاً لنفسه قَدْرَاً و وزْنَاً ، و يَنْفَرِدُ بالسعي في تَحْصِيْلِ العلم بعد أخذ مفاتحه و أصوله على مشايخه .​


الثاني : مجال الدعوة​

و هذا أكثر و أشهر من سابقه .​

و صناعة النفس فيه تكون بأن يَعْتَمِدَ الإنسان على ذاته في تبليغ الدعوة ، و نشر الدين في أوساط الناس .​

و كذلك أن يسعى لإيجاد طرائق مُتَعَدِّدَةٍ لتبليغ الدين ، و نشر الدعوة في أوسع نطاق .​
 
أعلى